انتفاضة الحمير (1)
كتبهاصالح اهضير ، في 17 يناير 2007 الساعة: 18:30 م

وفجأة اندفع أبو زياد مع مجموعة من بني جلدته في اتجاه خيمتي المنصوبة على التل الشامخ . كانت تدك الأرض بحوافرها دكا فتعمّ أرجاء المكان سحابة كثيفة من الغبار .. كانت شرارة الغضب تتطاير من ملامح " السرب الحماري " كما لو أنه يخوض حربا حامية الوطيس !!.
بادرني أبو زياد بالتحية ، لكنها كانت تحية غير معهودة .. كانت لا تحتمل ويطبعها الانفعال والسخط وعدم الرضى والتذمر واليأس ..كانت عبارة عن نهقة مرعبة ، يشيب لها الولدان ؛ يسري مفعولها في الأجساد الحيوانية الأخرى وتنتقل مثل العدوى إلى حد اهتزت لها الأفئدة وصمّت من هولها الآذان ، كما لو أن صاحب الصور قد نفخ في صوره فصعق من في الأرض
أدركت على التو ، ولأول وهلة ، وبلا أدنى ريب ، أنها لا محالة انتفاضة للحمير . تقدم أبو زياد نحوي بخطى وئيدة ثم طقطق أذنيه الطويلتين وأرخى رأسه فبادرته بالكلام :
- على رسلك يا أبا زياد !! ما وراءك ؟ وما هذا الحشد العرمرم من الحمير ؟ (1)
- كيف تسألني عن حالي وأنت وبني جلدتك أدرى بما أقاسيه من جور وسوء معاملة وقهر وطغيان ؟
- كيف ذلك يا أبا زياد ؟ أوضح لنا ما تقول ؟
- أنت تعلم مقدار مكانتي عندكم ؛ فانا رمز للعناد والغباء .. محتقر وملعون خلقة وخلقاً بالقياس إلى كل حيوانات الأرض، إلى حد جعلتموني بطلا لأمثال و حكايات سخيفة صارت بذكرها الركبان.
- احك لنا بعضها يا أبا زياد !!
- من هذه الحكايات ما يروج من أنه قيل للجمل: من أنت ؟ فقال: حامل الأثقال ، وسئل الحصان عن ذلك فقال : مقتحم الأهوال ، ولما سئلت أنا قلت : مركوب العجائز والأطفال .
- وهل لديك أدلة بخلاف ذلك ؟ -
- أجل ! وهي كثيرة .. فأنا من مراكب الأنبياء . فعيسى عليه السلام ركب على ابن أتان (2) ، وكذلك كنت مطية للعزيز ، وكان للنبي (ص) حمار يسمى اليعفور(3) . وقال عني الفضل حينما سئل عن ركوب الحمير : إنه من اقل الدواب مؤونة ، وأكثرها معونة ، وأخفضها مهوى وأقربها مرتقى (4) .. وقال عني تعالى : (( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة … )) .
- أعتقد أن مظهرك كان له الأثر الأكبر في ترويج مثل هذه الحكايات !!
- بالتأكيد ، فقد جعلوا من طول أذنيّ كناية عن الغباء وعدم الفهم ؛ وقال عني علماء الحيوان بأن من عيوبي الظاهرة انضمام منكبيّ ويديّ إلى إبطيّ . وقد زعموا أني لقيت أسدا ، وهو لا يعرفني ، فهالته صورتي فقال لي : لأختبرنّك !! .. فسألني في البداية عن كنيتي ، فقلت : أبو زياد ، فقال : ما طول أذنيك ؟ فقلت : لطرد الذباب ، قال : فما عظم أسنانك ؟ فقلت : لجذب النبات ، قال : وما صلابة بطنك ؟ قلت ضرطأ أكثر (5).. فعلم انه لا غناء عندي، فافترسني(6)…
- وماذا عن موصوفاتك المعنوية ؟
- إنها لا تحصى.. من ذلك وصفهم لي بالجهل والغفلة وقلة المعرفة وغلظة الطباع..يقول تعالى : (( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا … )) ويقولون أنني أحمل الكتب ولا اعلم ما فيها ، وهذا صحيح ما دام يضرب مثلا للذي يحوز الشيء الجليل ولا ينتفع به ، ولمن يعلم ولا يعمل بعلمه ، لكن يصبح ذلك أبعد عن الحقيقة عندما تؤول الآية على أساس أن المثل يضرب بي لأنني أجهل الحيوانات بما في بطون الكتب ، وكأنّ باقي الحيوانات تعرف القراءة والكتابة وعلوم الدين واللاهوت … ويقولون عني كذلك باني حيوان ملعون ، ودللوا على ذلك بحكايات ملفقة ، منها أن نوحا عليه السلام لما دخل السفينة ، رفضت الدخول ، وكان إبليس آخذا بذيلي ؛ وقال آخرون بل كان في جوفي، فلما قال لي نوح : ادخل يا ملعون !! دخلت ودخل إبليس معي مادام في جوفي.. فلما رأى نوح إبليس في السفينة، قال: يا ملعون من أدخلك السفينة ؟ فقال إبليس : أنت أمرتني .. فقال : ومتى أمرتك ؟ فقال إبليس : حين قلت ادخل يا ملعون ، ولم يكن ثمة ملعون غيري ..
- وكذلك قالوا عن صوتك حينما وصفوه بأنكر الأصوات !!
- بكل تأكيد.. ومن أشد الأمور سخافة وسخرية قولهم بأنني أستعمل صوتي من أجل الاستنكار.. ويقول شاعر يدعى العجاج مستهزئا:
كأن في فيه إذا ما شجا عودا دُوَيْنَ اللهوات مولجا (7)
كما أن صوتي وإن كان مثارا للإزعاج لدى البشر، فإن بعضهم قد دعا إلى اتخاذه مثل صياح الديك
للاستدلال به على بعض أوقات اليوم ماداموا يعتقدون أنني مثل الديك بحيث أصيح في أوقات معينة..
- هذا عن موصوفاتك المعنوية ، وماذا عن معاملة البشر لك ؟
- في الواقع ، أنا أتعرض للعنف والمعاملة السيئة وهضم لحقوقي الحيوانية .. فحينما تتقدم بي السن يتم الاستغناء عني. ويقلّ قدري كلما ارتفع ثمن علفي؛ وفي فترات الجفاف القاسية يتخلصون مني بهجري في القفار لتفترسني السباع. وأنا أشقى كثيرا، وليس من حقي أن احتج أو أدافع عن نفسي، وإن حدث ذلك انهالوا عليّ بالضرب المبرح.. ومما يدل على ما ذكرت، ما يقوله المغاربة في أمثالهم عني :
* إيلا رخاص الشعير اغلات الحمير
- * مدبور بحال حمار الجيارة .
* حاول على حمارك لتحج عليه.
- ومن الأمثال العربية قولهم :
* لأضربنك ضرب أوابي الحمر .
* لولا الرسن والعصا لكان الحمار أول من عصى (8) ..
- إذا كنت تعتقد أن كل هذه الاتهامات باطلة ، فكيف يمكنك الرد عليها ؟
- على عكس الصورة الشائعة عني، أثبت العلم والواقع أنني ذكي، أتعلم وأفهم وأتحمل الإنسان الذي
ما فتئ يلاحقني بظلمه .. فمن ذكائي وقدرتي على التعلم أنني أستطيع معرفة الصوت الذي يلتمس
به وقوفي، والذي يلتمس به مسيري. وإذا رفع عليّ السوط مررت من تحته حتى لا يصيبني..
كما أن لي القدرة على تذكر المسالك التي أمرّ منها ولو لمرة واحدة بدقة متناهية مهماتكن المسافة
طويلة. وأكثر من ذلك أنني أستطيع استكشاف المسالك في القفار الوعرة. من ذلك ما يحكى عني
من أن مهندسا كلف برسم طريق جديدة في قرية جبلية، وبينما كان يدرس مختلف إمكانيات تحديد
مسلك في تلك البيئة المعقدة التضاريس، كان شيخ مسن من أهل القرية يراقبه من بعيد طيلة الوقت
الذي أمضاه في ذلك، وأخيرا دفعه فضوله لأن يسأله، ولما علم قصده سأله الشيخ: ولماذا كل هذا
التعب ؟ فنحن فيما مضى كنا نأتي بحمار فنتركه يسير وحده، فيسلك المسلك الأسهل الذي نعده
ليكون طريقا لنا . ولم يجد المهندس ما يجيب به سوى انه قال: وإذا لم تجدوا حمارا لذلك ؟ فرد الشيخ
عندها نأتي بمهندس. بالإضافة إلى كل ماسبق ، فأنا أتمتع بقوة الجسد والصبر والتحمل ،
وحدة السمع ، وحماية الماعز ، وقائد للمهر أو العجل الصغير ، ومساعد في فطام الحيوانات الأخرى ،
و صديق حميم في إسطبل الخيول، ورفيق للمعاقين من البشر، وعامل من الطراز الأول…
- وماذا عن الدراسات العلمية الحديثة بشأنك ؟
لقد أثبتت إحدى الدراسات الأمريكية و اليابانية التي أجريت على بني جلدتي من إفريقيا و أسيا أنني ثاني أذكى حيوان بعد الشمبانزي و قد تم إجراء هذه الدراسة على نحو أكثر من ألفي حمار بحيث تبين أن ذكائي يقل عن ذكاء الإنسان بنحو خمس مرات، في حين أن ذكاء الطفل الصغير هو أكبر من ذكاء الإنسان الراشد بالضعف ، بينما يقل ذكاء الشمبانزي عن الإنسان العادي بثلاث مرات ..
هذا الأمر الذي يعتبر عاديا في الثقافة الغربية و غريبا في الثقافة العربية استند إلى العديد من الاختبارات العلمية التي قامت بربط ذكاء دماغي بآلة رصد تدفق للدم و الهرمونات ، فكشفت عن أنني أجد ثلاثة حلول لكل مشكلة تتعقبني ، و أنني ثاني مخلوق بعد الإنسان قدرة على التخيل ، وتعتبر روابطي العصبية سادس أسمك روابط للمخلوقات بعد الإنسان الذي يعتبر حالة خاصة في هذا الأمر و القرد و الكلب و الثعلب وا لتمساح و النمر.
كما أثبتت الدراسات النظرية حول العبقرية أن الإنسان طويل الأذن أكثر عبقرية من غيره ، و هذا أمر اتضح انه ينطبق عليّ أيضا ؛ فالحمار ذو الأذنين الطويلتين أذكى من صاحب الأذنين الأقصرجائزا عند المذاهب الأربعة ما عدا الإمام مالك الذي يراه مكروها ، لذلك نجد أن أهل المغ و هكذا ، و يعتبر جلدي من أنفع أنواع الجلد للإنسان كما انه متوفر بشكل أكبر من غيره ؛ و لحمي يعتبر غنيا بالبروتينات و الفيتامينات ، و بولي و لبن أنثاي غني بمواد اقتياتية و يعتبر شفاء من عدة أمراض للإنسان الحاضرة بالرغم من أن البحث لعلمي ما يزال متأخرا في هذا الصدد . أما شرعا فأكل لحمي ولحم البغل و الحصان فيعتبر رب يعتبرون أن أكل لحم الحصان هوجائز للمرضى فقط ….
…………………………………………..
(1) – أبو زياد : كنية الحمار ويكنى أيضا أبو صابر .
يقول الشاعر :
زياد لست أدري من أبوه ولكن الحمار أبو زياد
(2) - الأتان: أنثى الحمار.
(3) - اليعفور .
(4) - أخفضها مهوى وأقربها مرتقى : سهلة الركوب ..
(5) - ضرط الحمار : أخرج ريحا من دبره مع صوت .
(6) - لا غناء عندي: غير صالح ونافع.
(7) - اللهوات : جمع لهاة ، وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم .
(8) - الرسن: الحبل.
انظر الموقعين التاليين :
- أدرار.
* يتـــــبع *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصـــــا ئدي الــــعاميــــة | السمات:قصـــــا ئدي الــــعاميــــة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























أبريل 25th, 2007 at 25 أبريل 2007 10:41 م
كلمات رائعة
وأسلوب أخاذ
سلمت يداك اخي صالح
ادعوكي لزيارة مدونتي وترشيحي بمسابقة top100 بالضغط على الايقونة في اعلى صفحتي
أبريل 26th, 2007 at 26 أبريل 2007 7:05 م
اسلوب مختلف…يبدو اني يجب ان اتابع القراءة لاعلم اين سوف يقودنا حمارك يا عزيزي
تحياتي
أبريل 26th, 2007 at 26 أبريل 2007 7:29 م
تعليق اخير
اعلم يا سيدي ان الحمار يعيش حياة افضل بكثير من حياة المواطن العربي
فهو يجد في نهاية النهار منزلا وكثيرا من التبن….وينام مرتاح ولا يفكر بهموم يومه
الحمير جميعا سواسية…لايوجد بينها من يسكن القصر
الحمير جميعا تعرف طريقها بينما المواطن العربي تائه تسخر منه انظمة الحكم صباح مساء
ومع ذلك يتزاحم لتقبيل ارجل جلاديه
سادع الكلام عن الحمير….واقول لك لما التورية واللف والدوران…اصل العلة القصور الملكية والرئاسية…فاحمل معولك واتبعني لتحطيمها…اتبعني بسرعة…قبل ان نتحول جميعا الى حمير…
أبريل 27th, 2007 at 27 أبريل 2007 6:20 ص
والله يا أخي ليس قصدنا من الكلام إلا عين الحيوان ذاته .. وما كان لنا مع الآدميين من ناقة أو بعير … إن بعض الظن إثم …
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 5:33 م
اشكرك على ادراجك الرائع
مدونتك جميلة
اتمنى التواصل وزيارة خاطرتي غابة الاحزان في ادراجي الجديد
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 10:36 م
دعوتك مقبولة يا سيدتي .. ومدونتك أروع !!!
مايو 3rd, 2007 at 3 مايو 2007 12:13 ص
الغابة في هذا النص إشارة إلى الكثافة .. كثافة مشحونة الاعماق بالاحزان وقيود للذات الاسيرة .. لكن المنفذ المطل على الغابة في الصورة بدا لي كما لو أنه توق هذه الذات للحظة انفراج …………
مايو 26th, 2007 at 26 مايو 2007 11:59 م
الغربيون ينعتون الوزة بالغباء وليس الحمار.امر مضحك فعلا!نحن على مااعتقدلا نخص الوزة بالغباء
لكن على كل حال شكرا على معلوماتك عن أبي زياد
مايو 27th, 2007 at 27 مايو 2007 12:22 ص
ربما يكون الخلاف سيدتي راجعا للثقافة والعادات السائدة لدي مختلف الشعوب ….