بصارتـــي !!! ……

كتبهاصالح اهضير ، في 20 يونيو 2006 الساعة: 04:05 ص

 

   
     كانت جدتي رحمة الله عليها عجوزا شمطاء معدمة ، قلما جاد عليها ولداها - أبي وأحد أعمامي - بما تيسر من الدريهمات بحكم عملهما المتواضع ولجحافل الأفواه التي كانا مجبرين على سد رمقها و إعالتها .. كانا يعملان معا بالبيضاء منذ دحول فرنسا إلى البلاد ، وكانت هي تقطن بالبادية ، مسقط رأسها، بمنزل أبي القديم . . لقد كانت تصر على العيش بمفردها بالرغم من إلحاح والدي بالإقامة معنا كلما تبادلنا الزيارات .. وهي في اعتقادي كانت محقة  في إحجامها عن الاستجابة لهذا المطلب ، إذ كان من الصعب على أمثالها التأقلم مع بيئة حضارية بحياتها الصاخبة وساكنتها المتعددة الأعراق ، المتناقضة المشارب . ولعلها كانت تجد بعض الأنس في صديقاتها من العجائز الأخريات وكذا في بناتها - عماتي - واللواتي تزوجن جميعهن و أقمن بنفس البلدة ، تزورهن بين الفينة والأخرى . . .
    كنت مع إخوتي لا نرى جدتي إلا مرة واحدة في كل مناسبة من مناسبات العطل  الدراسية الطويلة الأمد حيث كنا نقوم بزيارتها ونقيم معها لتملأ أسماعنا بحكاياتها وتخاريفها المشوقة فضلا عن النهل من أطباق الأطعمة التقليدية التي كانت تجيد طهيها . . .
     كانت أحيانا ما تبيت على الطوى - ربنا خلقتنا - وفي أحايين أخرى  كانت تعمد إلى  التزود بالماء والخبزأو الشاي والخبز راضية مرضية ، وفي أحسن الأحوال ، وفي أغلب أيام الاسبوع ، كانت تقبل بشغف غير معهود على تناول البصارة (1) نظرا لبساطة تكلفتها إعدادا و إنفاقا . . .
     بالنسبة إليها كانت الأكلة المفضلة حتى وإن صادف يوما أن حظيت بطبق من الوجبات الأخرى مثل"الطاجين" (2) أو "الكسكس" (3) أو "صايكوك" (4) أو "الزميطة"(5) أو الحريرة (6) .. كانت أشد تلهفا لالتهامها بشكل ملفت للنظر إلى درجة أصبحت معها شريكا لها في " العملية البصارية " أضرب أخماسا فيها بأسداس ثم " آكل عليها أصابعي" في نهاية المطاف على حد قول المصريين . . .
       ومرت الأيام وتوفيت جدتي وذاقت وبال أمرها فانقطعت بعدئذ عن أكل البصارة ولم أذق لها طعما إلى أن دعيت مرة من طرف بعض الأصدقاء بالبادية إلى وليمة كنت أحسب أنها من " الولائم الغليظة " غير أني فوجئت عندما مدت المائدة ورفعت أغطية الأطباق بسيول جارفة من البصارة ، حينئذ أدركت أنه مقلب من المضيف من أجل المزاح والتندر .. لكنني لم أغرف من الوجبة إلا النز اليسير  إذ لم تكن في مستوى إعداد جدتي الراحلة ..بعد ذلك قدم لي الأصدقاء ملتمسا :" إنا لمسنا يا أبا الهزل مدى ولعك الشديد بالبصارة ومحبتك للبصارة والتضحية من أجل البصارة فارتأينا أن نطعمك إياها من أيدينا . . فهلا تفضلت علينا ببعض ما في جعبتك من أشعار  حول محبوبتك هذه !! …."
        حاولت الرضوخ لهذا المطلب بارتجال أبيات شعرية حول هذه الأكلة العجيبة لكنني لم أوفق . . ومكثت على ذلك زمنا طويلا وقد خذلني شيطان الشعر إلى أن مررت ذات صبيحة بروض للأطفال ، فترامت إلى مسمعي مقاطع من أنشودة من أعلى البناية ، وكان مطلعها :
فراشتي فراشتي      رفرفي على الربى
        فأوحت لي هذة المقطوعة على الفور بالنسج على منوالها  فقلت :
بصارتي بصارتـــــي        أنــــــيسة لبطنــــــتي
يالها من أكلـــــــــة          إذا طهتــها جدتــــــــي
إذا حل بي الطـــوى        رويت منها غلتـــــــي
خبز بزيــت امــــــتزج       حشوته في قصــعتي
غرفته فــي لقـــــمة        حتى ابتــلت لحــيتي
كأني في حرب ضروس    أشقى بها من علتي
كيف السبيل للكباب      ولحـــم الطير بغيـــتي ؟
ولحم ضـــأن عن كثب     على جمار حرقـــــتي ؟
يهزني عطر الشـــواء       ولا شيء في قبضتي
ذاك حظ أهل البطون       أهل الغنى ياساداتي !
خير زاد للــــــــــورى        عصير فول أمتــــــــــي
لكن العيـــــــب أنــــه       وقت الكرى في خلوتي
رعد وبرق في البطون      تدمع مــــــنه مقلتـــي
أعبه ولــــم تـــــــــــزل      على العهــــود مهجتي
ليس لي عنه مــــلاذ       في وحدتي وغربتــــي
—————————————————————
1-البصارةلفظة عربية فصيحة من الألفاظ المولدة كما يشير إلى ذلك المعجم الوسيط ، وهي عبارة عن مطبوخ متخذ من جريش الفول والملوخية أو النعناع وبعض الافاويه . . والجريش من الحبوب ما دق منه أو الذي طحن ولم ينعم طحنه . والافاويه هي التوابل . ويقال بأن البصارة انتقلت إلى مصر عن طريق الأقباط .. وهي في المغرب مزيج من جريش الفول المطبوخ مع الماء والبصل أو الثوم يضاف إليها عند التقديم زيت الزيتون وبعض التوابل كالكمون ..
2 - الطاجين :  لفظة عربية أيضا ، من طجن الشيء إذا قلاه ، والطاجن والطيجن ما يقلى عليه أو فيه كما ورد في المعجم الوسيط . وأصل الكلمة يوناني.. وهو في المغرب يدل على الوجبة و آ نية الوجبة ذاتها ، وهو عبارة عن صحن من الفخار الأحمر في الغالب ،وغطاؤه مخروط الشكل . . أما الوجبة فتتكون من قطع اللحم أو الدجاج أو السمك بالإضافة إلى الخضر والتوابل والزيت . . .
3 - الكسكس :  كلمة عربية فصيحة من كسكس الشيء إذا دقه دقا شديدا . وقيل أصلها أمازيغي ، وهي وجبة تحضر في منطقة شمال إفريقيا .. ويتكون طبق الكسكس من دقيق السميذ وخليط من الطحين والماء والزيت  ويطبخ على البخار في آنية تسمى " الكسكاس " ، وعندما يكون جاهزا يضاف إليه اللحم والخضراوات . . .
4 - صايكوك :  عبارة عن كسكس جاف يمزج باللبن ويؤكل بالملاعق . .
5 - الزميطة :  أكلة أمازيغية قديمة . وتتكون من دقيق الشعير المرحى وتخلط بالماء أو زيت الزيتون ثم تقدم كوجبة . .
6 - الحريرة :  في اللغة بمعنى الدقيق يطبخ بلبن أو دسم . وهي في المغرب شوربة مكونة من مطبوخ الدقيق والقطاني كالفول أو العدس أو الحمص و الزيت فضلا عن التوابل .. وهي طبق مفضل وبخاصة في شهر رمضان الأبرك …
 

عن : fotosearch.ae
 
 
 
     

 

 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصــــــائدي الفصيــــحــة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “بصارتـــي !!! ……”

  1. الأخ صالح ، مرحبا بك في عالم التدوين… مدونتك شيقة جدا … اتمنى لك التوفيق والسلام. اخوك احمد http://maktoobblog.com/blafrancia

  2. الآخ احمد

    تحية اخوية صادقة … مع أصدق الامتنان على تقييمك لمدونتي …. أما بخصوص مدونتك فقد بدا لي ولااول وهلة أنها تزخر بمعلومات قيمة ..كما اني لمست من بعض قراءاتي لها إبداعا مع عمق في التحليل وبعد في الرؤية وليس مجرد إخبار أو إبلاغ عن هذا أوذاك ….وأعدك مستقبلا ان أوافيك بدلائل ملموسة على صدق ما أقول…..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر