1)– توطئة
ذات ليلة من ليالي الصيف المقمرة، كان الجو هادئا منعشا يغري بالسهر مع الأصحاب بداخل خيمتي المنصوبة هناك على قمة الجبل الشامخ..
انطلق السمر وبدأ الجدل حول موضوع الأعراب:حياتهم المعيشية والسلوكية والاجتماعية، وعلى الخصوص الفكرية والأدبية.في تلك الليلة الساهرة، تمت استضافة هؤلاء الأقوام وكذا أحفادهم ممن لا نزال نعايشهم.. دعوة من الماضي إلى الحاضر عبر مسالك الزمن الغابر.. أناخوا جمالهم وحطوا رحالهم ثم نزلوا لدينا بالترحاب والحفاوة ..
كان الحديث عن هؤلاء بحق وجبة دسمة على مائدتنا إلى درجة أسالت لعاب المتحدثين. انقسم هؤلاء إلى فريقين: فريق حمل حملة شنعاء على الأعراب معززا آراءه بدلائل وشواهد من الماضي والحاضر، وفريق، وهو أقل عددا بالقياس إلى الأول، كان حريصا على الاعتدال في آرائه وأحكامه، مدليا كما الفريق الأول بما لديه من حجج.. وكنت من ضمن هذا الفريق …
غير أنني اقترحت على الفريقين، قبل الخوض في الموضوع مباشرة، أن يفسحوا لي المجال، لبعض الوقت، للحديث عن شخصية الأعرابي من الوجهة الدلالية للتسمية لعل ذلك ينير الطريق وييسر السبيل للاستيعاب والفهم…
2)– الأعراب ودلالة التسمية
كلمة الأعراب تعني سكان البادية خاصة، والواحد منهم أعرابي، وأشارت بعض المعاجم إلى أن كلمة الأعرابي، نسبة إلى الأعراب، تعني الجاهل من العرب.
وقال صاحب المصباح : الأعراب سكان البادية، ثم أضاف : وهم في ترحال دائم بحثا عن الكلإ والماء .
وبصدد التفرقة بين الأعرابي والعربي ، أشار ابن قتيبة إلى أن الأعرابي هو من يلزم البادية، والعربي منسوب إلى العرب .
ويقول الدكتور " جواد علي" في التمييز بين الأعراب وسكان الحضر: " … ونحن لا نزال نميز الأعراب عن الحضر، ونعدهم طبقة تختلف عن الحضر، فنطلق عليهم لفظة " عرب " في معنى بدو ، و " أعراب " أي المعنى الأصلي القديم …"
من التعاريف السابقة يمكنني أن أستخلص ما يلي :
- الأعراب من البدو أي من سكان البادية.
- الأعراب قوم رحل ، لتنقلهم بحثا عن العشب والماء.
- الأعراب هم الجهلة من العرب .
3)- الأعراب بين السذاجة والفطنة
بعد هذه التوضيحات المعجمية للفظة الأعراب ، انطلق الفريق الأول في حديثه متناولا هذه الشخصية من حيث طبيعتها المزاجية ومستوى التفكير لديها وحياتها الأدبية بخاصة إلى حد أضحت معه ، في "مجلسنا الموقر" هذا ، مثل كرة يتقاذفها الرواة بالأرجل والأيدي ، وبأسلوب هازئ وساخر، لتنفرج شفاه المشجعين والمعجبين عن ضحكات وقهقهات صاخبة تملأ أرجاء المكان …
تناوب أعضاء هذا الفريق في الحديث عن بعض الحكايا مستدلين بها على سذاجة الأعراب وبطء التفكير والبديهة لديهم :
* أوقد أعرابي نارا يتقي بها برد الصحراء في الليالي القارسة ، ولما جلس و أحس بالدفء والارتياح قال : " اللهم لا تحرمني منها في الدنيا وفي الآخرة !! "
* أهدى أحدهم فالوذجا لأعرابي (1)، فأكل منه لقمة ، فقيل له : "هل تعرف ما هذا؟ " فقال : " هذا الصراط المستقيم !! "
* جيء إلى الحجاج بن يوسف الثقفي بأعرابي سارق ، فأمر بضربه ، فضرب ، فكان كلما قرع بالسوط قال :" اللهم شكرا ! " ، فيواصل الضارب ضربه ويزيد .. فأتاه ابن عم له وقال : " والله ما دعا الأمير إلى التمادي في ضربك إلا لكثرة شكرك ، لان الله يقول : " لئن شكرتم لأزيدنكم ". * قيل لأعرابيّ : هل لك في النكاح ؟ قال : لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها
*أسلم أعرابي في أيام الخليفة عمر بن الخطاب، فجعل عمر يعلمه الصلاة فيقول صل الظهرأربعا والعصر أربعا والمغرب ثلاثا والعشاء أربعا والصبح ركعتين، فلم يستطع الأعرابيحفظ ذلك فجعل يخلط بالإعداد، فضجر الخليفة وقال إن الأعراب أحفظ شي للشعر، ثم قالللإعرابي :
إن الصلاة أربع وأربع
ثم ثلاث بعدهن أربع
ثم صلاةالفجر لاتضيع
أحفظت ؟ قال الأعرابي: نعم ، قال : عمر ألحق بأهلك !
*سرق أعرابي صرة فيها دراهم ثم دخل المسجد يصلي وكان اسمه موسى فقرأ الإمام:" وما تلك بيمينك يا موسى " فقال الأعرابي: " والله إنك لساحر! " ثم رمى الصرة وخرج.
ثم انتقل الفريق إلى مجال الشعر والقوافي محاولا إعطاء دلائل على مدى عجز الأعراب البين في هذا الباب..
* يحكى أن أعرابيا شاعرا كان جالسا مع أصحابه في أرض خضراء نضرة، فأراد أن يقول شعرا، فقال:
الأرض أرض والسماء سماء والنار قالوا إنها حمراء
فقال أصحابه : إنك لم تأت بجديد .. فأنشد :
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء
* قال الأصمعي : أصابت الأعراب مجاعة ، فمررت بأعرابي قاعد مع زوجته على قارعة الطريق وهو ينشد :
يارب إني قاعد كما ترى وزوجتي قاعدة كما ترى !
والبطن مني جائع كما ترى فما ترى يا ربنا في ما ترى ؟
عندما انتهى الفريق من أحاديثه حول الأعراب ، قلت موضحا : على رسلكم ياقوم ! مهلا ياسادة ! ل
المزيد